ابن قيم الجوزية
18
البدائع في علوم القرآن
وقد أعد العدة وهي تجهزه بهذه الفنون . فلو أراد الكتابة أو الحديث عن تاريخ القرآن ، لاحتاج إلى علم القراءات وعلم تدوين القرآن ونقله وحمله وتواتره وحفاظه من الصحابة ومن بعدهم وكتابة المصاحف إلى آخر تلك الأبحاث . والذي يريد أن يتكلم في إعجاز القرآن ، لن يجد فنا من هذه الفنون المدونة في هذا العلم إلّا واحتاج إليها ، خاصة لو نظرنا إلى الإعجاز يتوسع كما يراه بعضهم . ومنه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم وسيأتي الكلام عليه في موضعه ، واللّه الموفق . * * * ولما كان القرآن الكريم هو الكتاب الحق ، والتنزيل الصدق ، وهو الفرقان المبين ، والذكر الحكيم ، وهو أحسن الحديث ، وأصدق القول ، وهو الحكمة البالغة ، والشفاء التام ، والرحمة التامة ، والهدى الكامل ، وهو الصراط المستقيم ، وحبل اللّه المتين ، وهو البيان الباهر ، والروح والبصائر ، وهو القول الفصل والبرهان المهيمن ، والنور المنزل ، وهو القرآن العظيم الكريم ، المجيد ، المبارك ، وهو حق اليقين ، والنبأ العظيم . أقول لما كان القرآن الكريم كذلك وفوق ذلك : كان هو مفجر العلوم ومنبعها ، ودائرة شمسها ومطلعها ، أودع اللّه تعالى فيه علم كل شيء ، وأبان فيه الحق ليتبع ضده ليجتنب ، فترى صاحب كل علم حق منه يغترف ، وعليه يعتمد فالأحكام يستنبطها الفقيه منه ، وصاحب العقيدة لا يخرج عنه ، وصاحب اللغة به يحتمي ، والنحوي كان له القرآن هو الميزان ليميّز بين خطأ القول من الصواب ، وصاحب البلاغة هو له مرآة الحسن النظم والبيان ، وصاحب التاريخ كان يضرب في صحراء الأسطورة حتى هداه القرآن على القصص الحق والخبر الصدق ، وهو دواء القلوب لأرباب السلوك . فقد صدق اللّه حين قال : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . فصل من القضايا التي أخذت حظا وافرا من البحث والتحقيق قضية « نشأة العلوم » ومتى كان بدء تدوينها . وقد أفاض كثير من أهل العلم من أصحاب السير والتاريخ والتراجم بوضع كم وافر من الكتب التي تتحدث عن ذلك .